جميعنا شاهدنا أو قرأنا رائعة “كونت دي مونت كريستو” (The Count of Monte Cristo) للكاتب الفرنسي ألكسندر دوماس، أو نسختها السينمائية العربية الشهيرة “أمير الانتقام”. قصة البطل النبيل الذي ظُلم، وسُجن، ثم عاد بثروة طائلة لينتقم بذكاء وأناقة. ولكن.. ماذا لو أخبرتك أن هذه الرواية مبنية على قصة حقيقية موثقة في سجلات الشرطة الفرنسية؟ وماذا لو علمت أن البطل الحقيقي لم يكن نبيلاً متسامحاً، بل تحول إلى وحش كاسر نفذ خطة انتقام دموية ومرعبة استمرت 10 سنوات كاملة؟ اربط حزام الأمان، واستعد للتعرف على القصة الحقيقية المظلمة لـ “بيير بيكو” (Pierre Picaud).
1. المؤامرة الدنيئة: الحسد الذي دمر حياة!
في عام 1807، في مدينة نيم الفرنسية، كان يعيش صانع أحذية شاب ومكافح يُدعى “بيير بيكو”. كانت حياته على وشك أن تصبح مثالية؛ فقد خطب فتاة جميلة جداً وثرية تُدعى “مارغريت”. أثار هذا الحظ السعيد حقداً أعمى في قلوب ثلاثة من “أصدقائه” (لويبيان، سولاري، وشوبار). وفي إحدى جلسات المقهى، قرر الثلاثة (بدافع الغيرة والمزاح الثقيل الذي تحول لشر مطلق) كتابة رسالة مجهولة للشرطة يتهمون فيها “بيكو” بأنه جاسوس إنجليزي يعمل ضد الإمبراطور نابليون بونابرت! في ذلك الزمن، كانت تهمة التخابر تعني الهلاك الفوري. وفي ليلة زفافه، اقتحمت الشرطة المكان، واختفى “بيير بيكو” في غياهب سجن “فينيستريل” المرعب، دون محاكمة ودون أن يعرف حتى ما هي تهمته.
2. كنز في زنزانة مظلمة!

قضى بيكو 7 سنوات كاملة في زنزانة انفرادية مظلمة، فقد فيها شبابه وأمله. لكن السجن خبأ له مفاجأة غيرت مجرى التاريخ؛ حيث تعرف (من خلال فتحة سرية) على سجين آخر وهو قسيس إيطالي ثري (الأب توري). رأى القسيس في بيكو ابناً له، وقبل أن يموت في السجن، ورّثه كنزاً هائلاً مخبأً في مدينة ميلانو الإيطالية. وفي عام 1814، سقط نابليون، وفُتحت أبواب السجون، ليخرج بيكو.. ولكن ليس كشاب طموح، بل كشبح أبيض الشعر، يشتعل قلبه بنار الانتقام.
3. عودة الشبح: جمع المعلومات

انطلق بيكو إلى ميلانو، واستخرج الكنز الأسطوري، وأصبح من أغنى رجال أوروبا. عاد إلى فرنسا متخفياً تحت أسماء وشخصيات مستعارة. وبأمواله، استطاع الوصول إلى صديق رابع (لم يشارك في الوشاية لكنه كان يعرف السر)، ورشاه بقطعة ماس ضخمة ليخبره بأسماء من دمروه. علم بيكو بالحقيقة المرة: أصدقاؤه الثلاثة هم من وشوا به، والأسوأ.. أن زعيمهم “لويبيان” قد تزوج خطيبته مارغريت واستولى على ثروتها!
4. قائمة الموت: 10 سنوات من الرعب
بدأ بيكو بتنفيذ أطول وأبشع خطة انتقام في سجلات الشرطة:
رقم (1) شوبار: تم العثور عليه مقتولاً بطعنة خنجر في صدره، وعلى مقبض الخنجر نُقشت كلمة: “رقم 1”.
رقم (2) سولاري: مات مسموماً بطريقة غامضة وبطيئة، ووُجدت ورقة مثبتة على كفنه مكتوب عليها: “رقم 2”.
أما لويبيان (الرأس المدبر والذي تزوج خطيبته)، فقد قرر بيكو ألا يقتله فوراً، بل أراد تدمير روحه ببطء مرعب:
خدع ابنة لويبيان وجعلها تقع في حب رجل ادعى أنه أمير، ليتضح يوم الزفاف أنه مجرم هارب، فماتت الفتاة من الصدمة والفضيحة.
أوقع بابن لويبيان في فخ جريمة سرقة، ليُحكم عليه بالسجن 20 عاماً.
أحرق مطعم لويبيان (مصدر ثروته) وسواه بالأرض، ليصبح متسولاً في شوارع باريس. وفي النهاية، عندما فقد لويبيان عقله من توالي المصائب، ظهر له بيكو في زقاق مظلم، وكشف له عن هويته الحقيقية قبل أن يطعنه ويترك رسالة: “رقم 3”.
5. النهاية التي لم يكتبها دوماس!
الروائي ألكسندر دوماس جعل بطل روايته ينجو ويعيش في سلام بعد الانتقام. لكن الواقع كان أشد قسوة. فبعد أن أنهى بيكو انتقامه، تم اختطافه وقتله على يد “الصديق الرابع” (الذي أخذ الماسة في البداية). فقد طمع هذا الرجل في ثروة بيكو المتبقية، وعندما رفض بيكو إعطاءه المال، قتله. وقبل أن يموت هذا القاتل في منفاه عام 1828، اعترف بكل هذه التفاصيل المرعبة لكاهن فرنسي، والذي نقلها بدوره إلى أرشيف شرطة باريس، ليقرأها لاحقاً الكاتب ألكسندر دوماس ويحولها إلى أعظم رواية انتقام في التاريخ.
الخلاصة
يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: “قبل أن تنطلق في رحلة الانتقام، احفر قبرين!”. قصة “بيير بيكو” تثبت أن الانتقام قد يُشفي غليل المظلوم، لكنه يحوله بمرور الوقت إلى وحش يشبه تماماً أولئك الذين ظلموه.




