دم المتوفى لإنقاذ الأحياء؟

اليوم سنتناول موضوعًا قد يبدو غريبًا ومثيرًا ، لكنه يحمل في طياته الكثير من التساؤلات الطبية والفلسفية المثيرة. نحن نربط الدم دائمًا بنبض الحياة والدفء، ولكن هل يمكن للإنسان أن يتبرع بـ دم المتوفى بعد أن يفارق الحياة؟

للإجابة على هذا التساؤل، تأخذنا “كايتلين دوتي”، الحانوتية الأمريكية ومؤسسة جماعة الموت الجيد، في رحلة لكسر حاجز الخوف من الموت. تسعى دوتي من خلال عملها كمتخصصة في الجنائز ومؤلفة كتب مثل “من هنا إلى الأبدية” إلى تبسيط فكرة الموت وتحويلها من مفهوم مرعب إلى حقيقة يمكن تقبلها. ومن هنا، يُطرح التساؤل المذهل: إذا كنا نأخذ أعضاء المتوفى لإنقاذ الأحياء، فلماذا لا نستخدم دمه؟

كايتلين دوتي

التجربة الحقيقية الأولى: الكلب الذي عاد للحياة

الكلب الذي عاد للحياة

للإجابة علمياً، يجب أن نعود بالزمن إلى عام 1928، حيث بدأت أولى شرارات هذا التفكير. قام الجراح السوفيتي “فلاديمير شاموف” بتجربة علمية جريئة ومدهشة؛ حيث قام بنقل دم من كلب فارق الحياة منذ عشر ساعات، وحقنه في جسد كلب آخر اختباري. المذهل في الأمر أن الكلب الذي تلقى الدم نجا وبقي على قيد الحياة! أثبتت هذه التجربة أن نقل الدم من الجثث ليس مستحيلاً كما كان يُعتقد لفترات طويلة.

لكن شاموف كان يخشى تطبيق هذه التجربة على البشر، معترفاً بأنه لم يخاطر بذلك خوفاً من السجن إذا باءت التجربة بالفشل. هنا، ظهر طبيب آخر غيّر مجرى التاريخ الطبي.

قصة سيرغي يودين: أول نقل لـ دم المتوفى في التاريخ

اول عملية نقل دم

في 23 مارس 1930، التقط الجراح الروسي “سيرغي يودين” الفكرة بشجاعة منقطعة النظير. كان يودين يدرك أن سمعته وشهرته الطبية ستشفعان له وتسمحان له بإجراء التجربة على البشر. في ذلك اليوم التاريخي، نجح يودين في إجراء أول عملية نقل لـ دم المتوفى إلى إنسان حي بنجاح تام.

لقد اكتشف يودين وزملاؤه حقائق علمية مذهلة عن جثث الموتى:

  • في الساعات الست إلى الثماني الأولى بعد الوفاة، يظل الدم داخل الجثة معقمًا تمامًا.

  • تظل خلايا الدم الحمراء قادرة على حمل الأكسجين بكفاءة عالية.

  • رغم أن الدم يتخثر في البداية، إلا أنه يعود ليصبح سائلاً مرة أخرى بعد 30 إلى 90 دقيقة بفضل عملية طبيعية تُسمى “تحلل الفبرين”.

  • هذا التحلل يعني أن الأطباء لم يكونوا بحاجة لإضافة أي مواد كيميائية مثبتة أو مانعة للتجلط.

  • يمكن استخراج حوالي 3 إلى 4 لترات من الدم من الجثة الواحدة، مقارنة بـ 350 إلى 450 مليلتر فقط يمكن أخذها في كل تبرع من شخص حي.

كيف غيّر دم المتوفى شكل الطب الحديث؟

قد تتساءل: إذا كانت العملية ناجحة جداً، فلماذا لا نستخدمها اليوم؟ في الواقع، لم يلقَ استخدام دم الجثث رواجاً واسعاً حتى في روسيا نفسها. فكرة استقبال دم من جثة كانت تثير رعب الكثيرين، ولتخفيف فزع المتلقين، أطلق الأطباء السوفييت على هذا الدم اسم الدم “المتحلل للفبرين” بدلاً من استخدام كلمة “جثة” المباشرة.

الطب ونقل الدم

ورغم توقف هذه الممارسة لاحقاً، إلا أن تجارب يودين أدت إلى ابتكار طبي غير وجه العالم. فبفضل اكتشاف إمكانية تخزين دم المتوفى بأمان، توفر الوقت الكافي لإجراء الفحوصات البكتيرية والمصلية عليه. وبناءً على ذلك، قام يودين في عام 1930 بتأسيس أول “بنك دم” في العالم في معهد نيكولاي سكليفوسوفسكي في موسكو. هذا الابتكار الرائد مهد الطريق لإنشاء بنوك الدم الحديثة وتطوير طرق جمع وحفظ الدم التي تنقذ ملايين الأرواح اليوم حول العالم.

الخلاصة: نظرة مختلفة للموت

كما تشير “كايتلين دوتي” في فلسفتها الداعمة لتقبل الموت، فإن النهاية ليست مجرد فناء مرعب، بل يمكن أن تحمل جانباً مشرقاً. قصة استخدام دم المتوفى تُثبت لنا أن أجسادنا، حتى بعد توقفها عن النبض، كانت تملك في يوم من الأيام القدرة الخارقة على منح الحياة للآخرين. ورغم أن الطب الحديث يعتمد اليوم بفضل الله ثم العلم على المتبرعين الأحياء، إلا أن الفضل الأول في تنظيم وتخزين هذا الدم يعود لتجارب جريئة وتاريخية أُجريت قبل عقود طويلة.