هل تحب الرقص؟ ربما ترقص في حفلة لساعة أو ساعتين ثم تتوقف لتلتقط أنفاسك. لكن.. هل تتخيل أن تبدأ بالرقص في الشارع، ولا تتوقف أبداً لأيام وأسابيع حتى تسقط ميتاً من الإرهاق؟ هذا ليس مشهداً من فيلم رعب خيالي، بل هو وباء حقيقي وموثق طبياً وتاريخياً ضرب مدينة “ستراسبورغ” (التابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة آنذاك) في صيف عام 1518، وعُرف باسم “طاعون الرقص” (The Dancing Plague).
فما هي القصة المرعبة وراء هذه الهيستيريا الجماعية؟
1. الشرارة الأولى: السيدة “تروفيا”

في يوم حار من شهر يوليو عام 1518، خرجت امرأة تُدعى “السيدة تروفيا” (Frau Troffea) من منزلها إلى أحد شوارع ستراسبورغ الضيقة. وبدون أي موسيقى، وبدون أي سبب منطقي، بدأت ترقص بحماس شديد وهيستيريا ملحوظة. ظن زوجها والجيران أنها مجرد نوبة غضب أو جنون مؤقت، لكن السيدة تروفيا استمرت في الرقص ليل نهار! كانت تتوقف فقط لثوانٍ قليلة لتشرب الماء، ثم تعود للرقص حتى تدمت قدماها. استمرت على هذه الحالة لمدة أسبوع كامل قبل أن تنهار.
2. العدوى تنتشر: المدينة بأكملها ترقص!

المرعب في الأمر أن ما فعلته السيدة تروفيا لم يكن مجرد حالة فردية، بل كان مرضاً معدياً! خلال أسبوع واحد، انضم إليها 34 شخصاً في الشوارع، يرقصون بنفس الهيستيريا وبلا توقف. وبحلول شهر أغسطس (أي بعد شهر واحد فقط)، ارتفع العدد ليصل إلى 400 شخص يرقصون في ساحات ستراسبورغ! كانت وجوههم شاحبة، أقدامهم تنزف، وعيونهم شاخصة وممتلئة بالرعب، وكأنهم محبوسون داخل أجسادهم ولا يستطيعون التوقف. بدأ الناس يتساقطون في الشوارع، ويموتون بالعشرات يومياً بسبب النوبات القلبية، السكتات الدماغية، والإرهاق القاتل.
3. العلاج الأغبى في التاريخ!

أصاب الذعر المجلس المحلي للمدينة، فاستدعوا الأطباء المحليين. استبعد الأطباء أن يكون السبب سحراً أو تنجيماً، وشخصوا الحالة بأنها ناتجة عن مرض في الدم أسموه “الدم الحار” (Hot Blood). ولكن بدلاً من عزل المرضى أو محاولة تهدئتهم، وصف الأطباء علاجاً كارثياً: “دعوهُم يرقصون حتى يتخلصوا من هذا الدم الحار!”.
قامت السلطات ببناء منصات خشبية عملاقة في الساحات، وخصصت قاعات للرقص، بل والأسوأ من ذلك.. استأجروا موسيقيين محترفين ليعزفوا الألحان لكي يستمر المرضى في الرقص! كانت النتيجة عكسية ومأساوية؛ فالموسيقى والمسارح جذبت المزيد من المتفرجين الذين أُصيبوا بالعدوى النفسية وانضموا للرقص، مما ضاعف أعداد الوفيات بشكل مرعب.
4. ما هو التفسير العلمي لهذا اللغز؟

بعد قرون من هذه الحادثة، وضع العلماء والمؤرخون تفسيرين أساسيين لما حدث في ستراسبورغ:
التفسير الأول (التسمم الغذائي): اقترح بعض العلماء أن الوباء نتج عن التسمم بـ “الإرغوت” (Ergot)، وهو فطر سام ينمو على خبز الجاودار الرطب. هذا الفطر يحتوي على مواد كيميائية تسبب تشنجات عنيفة وهلوسات تشبه تأثير عقار الـ (LSD) المخدر. لكن هذا التفسير ضعيف، لأن التسمم بالإرغوت يقطع تدفق الدم للأطراف ويجعل الحركة مستحيلة لعدة أيام.
التفسير الثاني (الهيستيريا الجماعية): وهو التفسير الأقوى والأكثر قبولاً اليوم. في عام 1518، كانت ستراسبورغ تعيش أسوأ فتراتها؛ مجاعات طاحنة، أمراض مستوطنة، وفقر مدقع. يقول عالم النفس والمؤرخ “جون والر” إن هذه الضغوط النفسية الهائلة، مع المعتقدات الدينية الصارمة والخوف من غضب الله، ولدت حالة من “الانهيار النفسي الجماعي” (Mass Psychogenic Illness). العقول لم تعد تحتمل الواقع، ففصلت نفسها عن الجسد، ودخلت في حالة “غشية” (Trance) لا إرادية.
الخلاصة
انتهى الوباء في أوائل سبتمبر بنفس الغموض الذي بدأ به، بعد أن حصد أرواح المئات. قصة “طاعون الرقص” تقف اليوم كشاهد تاريخي مخيف على هشاشة العقل البشري، وتذكرنا بأن المعاناة النفسية عندما تصل إلى ذروتها، قد تجبر الجسد على التعبير عنها بطرق تفوق أعتى كوابيسنا!




