التاريخ البشري مليء بالمحاكمات الغريبة وغير العادلة، ولكن مهما بلغ خيالك، فلن تتخيل محاكمة يكون فيها المتهم.. جثة متحللة منذ 7 أشهر! مرحباً بك في روما، وتحديداً في شهر يناير من عام 897 ميلادياً. المكان: كنيسة القديس يوحنا لاتيرانو. الحدث: واحدة من أبشع وأغرب اللحظات في التاريخ السياسي والديني، والتي عُرفت لاحقاً باسم “محاكمة الجثة” (The Cadaver Synod). فما هي القصة المرعبة وراء هذه المحاكمة؟
1. الحقد الذي تحدى الموت!
بدأت القصة بصراع سياسي طاحن على النفوذ والسلطة في روما. اعتلى البابا “ستيفان السادس” كرسي البابوية، وكان يحمل حقداً دفيناً وكراهية عمياء لسلفه البابا السابق “فورموسوس” الذي كان ينتمي لفصيل سياسي معادي. كان ستيفان يريد تدمير إرث فورموسوس ومسح اسمه من التاريخ، وإبطال كل القرارات التي اتخذها. المشكلة الوحيدة التي واجهته؟ أن فورموسوس كان ميتاً بالفعل منذ 7 أشهر! ولكن بالنسبة لسياسي يحركه الحقد، الموت لم يكن عذراً كافياً للتوقف.
2. محكمة الرعب: المتهم لا يتنفس

أصدر البابا ستيفان السادس أمراً جنونياً: “انبشوا قبره، وأحضروه للمحاكمة!”. بالفعل، تم إخراج جثة البابا فورموسوس المتحللة من القبر. ولإكمال المسرحية العبثية، قاموا بإلباس الجثة المتعفنة الثياب البابوية الفخمة المرصعة بالذهب، ووضعوا التاج على رأسها، ثم أجلسوها على كرسي العرش في قاعة المحكمة أمام حشد من رجال الدين المذعورين الذين لم يجرؤ أحد منهم على الاعتراض.
3. المحامي المرتعد والقاضي المجنون

لكي تكون المحاكمة “قانونية” (من وجهة نظرهم المختلة)، كان يجب أن يكون للمتهم محامٍ يدافع عنه. تم تعيين كاهن شاب مسكين ليقوم بدور محامي الدفاع عن الجثة. وقف الكاهن خلف الكرسي يرتعد من الرعب، بينما بدأ البابا ستيفان السادس يصرخ بهيستيريا في وجه الجثة المتحللة، يوجه لها التهم بالخيانة واغتصاب السلطة. وكلما سأل القاضي الجثة سؤالاً، كان المحامي المسكين يضطر لتقليد صوت المتهم والإجابة بالنيابة عنه وسط صمت القاعة المرعب!
4. الحكم والتنفيذ: انتقام من العظام

بالطبع، لم تستطع الجثة أن تدافع عن نفسها جيداً! وصدر الحكم المتوقع: “مذنب بجميع التهم”. هنا بدأ الجزء الأكثر بشاعة؛ أمر البابا ستيفان بتجريد الجثة من ملابسها الملكية وإلباسها ملابس ممزقة، ثم قاموا بقطع أصابع يده اليمنى الثلاثة (وهي الأصابع التي كان يستخدمها البابا الراحل لمنح البركة)، كرمز لإبطال كل قراراته الدينية. لم يكتفوا بذلك، بل تم سحب الجثة في شوارع روما، ودُفنت في مقبرة للغرباء. ثم لاحقاً، تم نبشها مرة أخرى (للمرة الثانية!)، ورُبطت بالأثقال وأُلقيت في نهر التيبر لتمحى من الوجود , ولكن ليس المنتهى بعد.
5. لعنة الجثة (نهاية الطاغية)
يقال إن الظلم يرتد على صاحبه، وهذا ما حدث حرفياً. بعد المحاكمة بأيام، ضرب زلزال قوي كنيسة لاتيرانو وأدى إلى انهيار أجزاء منها. اعتبر شعب روما هذا الزلزال “لعنة من السماء” وغضباً إلهياً بسبب تدنيس جثة البابا فورموسوس. اندلعت ثورة شعبية عارمة في روما، واقتحم الناس القصر، وتم القبض على البابا ستيفان السادس، وجُرد من منصبه، وأُلقي في السجن.. وهناك، تم خنقه حتى الموت، ليلقى نهاية مأساوية تليق بجنونه. أما جثة فورموسوس، فقد وجدها أحد الصيادين على ضفاف النهر، وأُعيد دفنها لاحقاً بكل احترام.
الخلاصة
محاكمة الجثة ليست مجرد قصة تاريخية مرعبة للترفيه، بل هي درس فلسفي قاسٍ يثبت لنا أن “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”. إنها تذكرنا بأن جنون السياسة والحقد الأعمى يمكن أن يجرد الإنسان من عقله وإنسانيته، ليجعله يحارب أشباحاً وعظاماً بالية، ظناً منه أنه ينتصر!




