عندما تتجول في أروقة المتاحف الأوروبية الكبرى، وتقف مبهوراً أمام اللوحات الكلاسيكية من القرن السادس عشر وحتى التاسع عشر، ستلاحظ دفئاً وعمقاً ساحراً في الظلال والألوان البنية التي استخدمها كبار الرسامين. ولكن، ماذا لو أخبرتك أن هذا اللون البني الرائع يحمل سراً مرعباً؟ ماذا لو علمت أنك لا تنظر فقط إلى “رسمة”، بل تنظر حرفياً إلى بقايا جثة إنسان عاش قبل آلاف السنين؟ مرحباً بك في القصة الصادمة لـ “لون المومياء البني” (Mummy Brown)، الصبغة التي استهلكت تاريخ مصر القديمة على لوحات الكانفاس!
1. ما هو لون “المومياء البني”؟

في القرن السادس عشر، ظهر لون جديد في أوساط الفنانين الأوروبيين وسرعان ما أصبح المفضل لديهم. كان لوناً بنياً غنياً، شفافاً، ودافئاً، مثالياً لرسم الظلال العميقة وتلوين درجات البشرة وإعطاء اللوحات طابعاً واقعياً مذهلاً. كان اسم اللون في الأسواق هو “المومياء البني” (Mummy Brown). ظن معظم الرسامين أن هذا مجرد “اسم تجاري” جذاب للون مستخلص من الطين أو المعادن، تماماً كما نسمي اليوم لوناً بـ “الأحمر الناري”. ولكن الحقيقة كانت أبشع من ذلك بكثير!
2. الوصفة المرعبة: من المقبرة إلى الفرشاة!

لم يكن الاسم مجازاً. لقد كان هذا اللون يُصنع حرفياً من طحن المومياوات المصرية القديمة الحقيقية (سواء لملوك، أو كهنة، أو حتى قطط محنطة)! بدأت القصة بهوس أوروبا الغريب في العصور الوسطى بـ “أكل المومياوات” كعلاج طبي سحري. وعندما تراجعت هذه الخرافة الطبية، وجد التجار مئات الجثث المحنطة التي استوردوها من مصر تتكدس في المخازن. هنا تدخل صناع الألوان، واكتشفوا أن طحن هذه المومياوات الغنية بالراتنجات الطبيعية وزيوت التحنيط، وخلطها بالزيت الأبيض ونبات المر، يُنتج صبغة بنية لا مثيل لجمالها. وهكذا، تحول أجدادنا الفراعنة إلى مجرد “مواد خام” للوحات عصر النهضة!
3. العصر الذهبي للون الموتى

انتشر اللون بجنون، واستخدمه كبار رسامي أوروبا. من أشهر الأمثلة اللوحة الفرنسية الشهيرة (L’Intérieur d’une cuisine) للرسام “مارتن درولينج” عام 1815، والمعروضة الآن في متحف اللوفر؛ حيث استُخدم “المومياء البني” بكثافة في رسم ظلال المطبخ. لقرون طويلة، كانت الطبقات المخملية في أوروبا تُعلق في منازلها لوحات مرسومة ببقايا ملوك حكموا الأرض قبل آلاف السنين، وهم لا يعلمون!
4. الصدمة الكبرى: جنازة لأنبوبة ألوان!

في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الحقيقة تتكشف بفضل الرسام الإنجليزي الشهير “إدوارد بورن جونز” (Edward Burne-Jones). كان إدوارد يعشق هذا اللون، وفي إحدى الجلسات مع صديقه الرسام “لورانس ألما تاديما”، سأله صديقه: “هل تعلم مما يُصنع هذا اللون الذي تستخدمه؟”. وعندما أخبره بالحقيقة المروعة، أصيب إدوارد بصدمة عنيفة وحالة من الرعب الأخلاقي. لم يكتفِ إدوارد بالتوقف عن استخدامه؛ بل ركض إلى مرسمه، وأمسك بأنبوبة لون “المومياء البني”، وتوجه إلى حديقة منزله، وحفر حفرة صغيرة، وقام بـ دفن الأنبوبة في جنازة مهيبة ومحترمة، ليعيد للميت كرامته التي سُلبت منه ليتحول إلى طلاء!
5. نهاية اللون: “لقد نفدت المومياوات!”

في بداية القرن العشرين، بدأ استخدام اللون يقل تدريجياً لسببين: الأول هو الوعي الأخلاقي واحترام الآثار والتاريخ. والثاني—وهو الأكثر سخرية ومرارة—أن شركة (Roberson) البريطانية المتخصصة في صناعة الألوان أعلنت في عام 1964 توقفها النهائي عن إنتاج اللون ببيان رسمي قالت فيه: “نعتذر لعملائنا، لقد نفدت المومياوات!” (We might have run out of mummies). اليوم، الألوان التي تُباع باسم “Mummy Brown” هي مجرد ألوان صناعية آمنة مكونة من خليط من الأكاسيد، ولا تحتوي على أي بقايا بشرية.
الخلاصة
الفن هو وسيلة لتخليد التاريخ، ولكن في حالة “لون المومياء”، قام الفن حرفياً بابتلاع التاريخ وطحنه! في المرة القادمة التي تتأمل فيها لوحة أوروبية كلاسيكية، تذكر أن تلك الظلال البنية الساحرة قد تكون نظرة أخيرة لملك مصري قديم، يطل عليك من بين خيوط الكانفاس.




