نرى قططنا تقفز بمرح، ونشاهد كلابنا تهز ذيولها بسعادة غامرة عندما نعود إلى المنزل. ولكن وسط كل هذا المرح، يتبادر إلى أذهاننا سؤال علمي مثير للفضول: هل تضحك الحيوانات حقاً كما نفعل نحن البشر؟
لعقود طويلة، كان يُعتقد أن الضحك صفة بشرية خالصة، ارتبطت بتطورنا المعرفي والاجتماعي. لكن العلم الحديث ومراقبة سلوكيات الحيوانات عن كثب أثبتا لنا أن الطبيعة تخبئ الكثير من المفاجآت، وأن لغة المرح ليست حكراً علينا وحدنا. في هذه التدوينة العلمية، سنغوص في عالم الحيوان لنكتشف كيف تعبر الكائنات المختلفة عن سعادتها، وهل تملك حقاً حسنة الفكاهة؟
ماذا يعني “الضحك” في قاموس الحيوانات؟

قبل أن نجيب على سؤال هل تضحك الحيوانات، يجب أن نوضح أن ضحك الحيوانات لا يشبه ضحكتنا البشرية الصاخبة (ها ها ها). في عالم الحيوان، يُعرف الضحك علمياً باسم “الأصوات المرتبطة باللعب” (Play Vocalizations).
الهدف الأساسي من هذه الأصوات هو إرسال إشارة واضحة للطرف الآخر تقول: “أنا ألعب معك، وهذه ليست محاولة للاعتداء”. إنها طريقة حيوية لمنع تحول اللعب إلى قتال حقيقي، خاصة بين الحيوانات المفترسة.
الفئران والزغزغة: اكتشاف علمي مذهل

قد يبدو الأمر غريباً، ولكن واحدة من أشهر الدراسات العلمية حول ضحك الحيوانات أجريت على الفئران! في أواخر التسعينيات، اكتشف عالم الأعصاب “جاك بانكسيب” أن الفئران تصدر أصواتاً بترددات فوق صوتية (حوالي 50 كيلو هرتز) لا تلتقطها أذن الإنسان عندما تلعب مع بعضها البعض.
الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن العلماء قاموا بـ “زغزغة” الفئران (Tickling) بأصابعهم. النتيجة؟ أصدرت الفئران نفس الترددات الصوتية المعبرة عن الفرح، بل وأصبحت تلاحق أيدي العلماء طالبة المزيد من الزغزغة والمرح. هذا يثبت أن الفئران تشعر بمتعة اللعب وتعبر عنها بصوت يعادل الضحك لدينا.
القردة العليا: أقرب أبناء عمومتنا في الضحك

إذا سألنا: هل تضحك الحيوانات الأقرب إلينا جينياً؟ فالإجابة هي نعم مدوية. الشمبانزي، الغوريلا، وإنسان الغاب جميعها تصدر أصواتاً أثناء اللعب تشبه إلى حد كبير الضحك.
تختلف ضحكة الشمبانزي عن الإنسان في طريقة التنفس؛ فالإنسان يضحك أثناء الزفير، بينما الشمبانزي يصدر صوت الضحك أثناء الشهيق والزفير معاً، مما يجعله يبدو وكأنه يلهث بقوة (لهاث اللعب). المثير للاهتمام أن القردة تستخدم هذا “الضحك” لبناء الروابط الاجتماعية داخل القطيع، تماماً كما نفعل نحن عندما نضحك مع أصدقائنا في المقاهي.
الكلاب و”لهاث اللعب” المعدي

مربو الكلاب يعرفون جيداً أن كلابهم تمتلك تعبيرات وجه تبدو وكأنها ابتسامة عريضة. لكن هل الكلاب تضحك بصوت مسموع؟ أثبتت الدراسات أن الكلاب تصدر نوعاً معيناً من اللهاث القسري أثناء اللعب يختلف عن اللهاث العادي الناتج عن التعب أو الحر. هذا اللهاث يُعتبر المكافئ لضحك الكلاب. وقد قام بعض العلماء بتسجيل هذا الصوت وتشغيله في ملاجئ الكلاب المكتظة، ولاحظوا أنه أدى إلى تقليل مستويات التوتر بشكل ملحوظ وجعل الكلاب أكثر هدوءاً ومرحاً.
الببغاوات: طيور تمتلك حس الفكاهة

لا يقتصر الأمر على الثدييات فقط. طائر “الكيا” (Kea)، وهو نوع من الببغاوات الذكية جداً في نيوزيلندا، يمتلك نداءً خاصاً للعب. عندما يُصدر طائر الكيا هذا النداء، فإنه يعمل كـ “ضحك معدي” يجعل الطيور الأخرى المحيطة به تبدأ في اللعب والمرح فوراً، تماماً كفكرة الضحك المعدي في التجمعات البشرية.
لماذا تطور الضحك في عالم الحيوان؟
الضحك لم يُخلق عبثاً في الطبيعة. إنه أداة تطورية مذهلة تهدف إلى:
تقوية الروابط الاجتماعية: الضحك المشترك يعزز الثقة بين أفراد القطيع.
التعلم بسلام: اللعب بين صغار الحيوانات يعلمهم مهارات الصيد والهروب، والضحك يضمن أن اللعب لن يتحول إلى شجار مميت.
تخفيف التوتر: يساعد الضحك على خفض هرمونات التوتر في أجساد الحيوانات.
خاتمة
في النهاية، إجابة سؤالنا هل تضحك الحيوانات؟ هي نعم مؤكدة، حتى وإن اختلفت الأصوات والطرق. إن اكتشافنا لقدرة الحيوانات على الشعور بالفرح والتعبير عنه بالضحك يجعلنا ننظر إلى الطبيعة بعين تملؤها الرحمة والدهشة، ويؤكد لنا أن المشاعر الإيجابية والمرح هي لغة عالمية تتحدث بها جميع الكائنات الحية.




