عصر التنوير: من طريقة صنع إبرة إلى صياغة حقوق الإنسان

يندرج فلاسفة “عصر التنوير” (The Enlightenment) في خط الفلاسفة الإنسانيين في العصور القديمة مثل سقراط والرواقيين، وذلك من حيث إيمانهم المطلق بـ “عقل الإنسان”. وهذا الإيمان الجارف هو ما جعل الكثيرين يطلقون على هذه المرحلة لقب “عصر العقلانية”.

فبعد أن أرسى العلم التجريبي مبدأ كون الطبيعة تسير وفق قوانين دقيقة تماماً (بفضل علماء مثل نيوتن)، أخذ الفلاسفة على عاتقهم مهمة أثقل؛ وهي إرساء قواعد جديدة للأخلاق، الدين، والمجتمع بناءً على العقل وحده.

1. ما هو التنوير؟ (صرخة إيمانويل كانط)

ما هو عصر التنوير

أصبح المقصود بـ “التنوير” هو تنوير العقول وإخراجها من ظلام الجهل والخرافة. لم يكن البؤس والاضطهاد بنظر هؤلاء الفلاسفة إلا نتيجة حتمية للجهل المنتشر بين الناس.

ذات يوم، سُئل الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كانط: “ما هو التنوير؟” فأجاب بعبارته الخالدة:

“إنه خروج الإنسان من مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن الرشد. والقصور العقلي هو التبعية للآخرين وعدم القدرة على اتخاذ قرار بدون وصاية.”

ومن هنا أطلق كانط صرخته التنويرية المدوية: “أعملوا عقولكم أيها البشر! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم! فلا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل. فالله زودكم بعقول وينبغي أن تستخدموها!”

2. الموسوعة: من إبرة الخياطة إلى مدفع الحرب

موسوعة المعرفة موقع تدوينات

ما يميز عصر التنوير بقوة هو صدور “الموسوعة الفرنسية” العظيمة (بين عامي 1751 و1772) في 28 جزءاً، والتي شارك فيها نخبة عقول ذلك العصر. لم تكن مجرد كتاب، بل كانت ثورة معرفية. فيها تجد كل شيء؛ بداية من “طريقة صنع إبرة صغيرة”، وصولاً إلى “طريقة تذويب وصناعة المدافع”! كان الفلاسفة يعتقدون إيماناً يقيناً بأنه يكفي أن ننشر المعرفة بين الناس لتتقدم البشرية بخطى عملاقة.

3. العودة إلى الطبيعة (فلسفة جان جاك روسو)

فلسفة جان جاك روسو عصر التنوير

أصبحت العبارة الشائعة في ذلك العصر هي: “العودة إلى الطبيعة”. كان شعار الفيلسوف “جان جاك روسو” هو أن الإنسان بطبيعته “خيّر وطيب”، وأن الشر والفساد يكمن في تعقيدات المجتمع والحضارة المصطنعة. ومن هنا، ظهر اهتمام غير مسبوق بـ الطفولة. لأول مرة في التاريخ، أصبح للطفل الحق في أن يعيش براءته وطبيعته أطول فترة ممكنة، بعد أن كانت الطفولة في العصور السابقة تُعتبر مجرد “مرحلة تهيئة” مملة لسن البلوغ. (لذلك يُقال إن المدارس أُسست في القرون الوسطى، لكن “علم التربية” الحقيقي وُلد في عصر التنوير).

4. الدين الطبيعي وإله الفلاسفة

الدين و الفلاسفة

ماذا عن الدين في عصر العقل؟ لم يكن كل فلاسفة التنوير ملحدين كما يُشاع. بل إن معظمهم وجدوا أنه لا يمكن تصور هذا الكون الدقيق والمذهل بدون “خالق”. ولكنهم ناضلوا لفرض ما أسموه “التأليهية” (Deism) أو الدين الطبيعي. التأليهية هي نظرة تعتبر أن الله خلق الكون بقوانينه الدقيقة منذ أمد بعيد، ثم تركه يعمل وفق هذه القوانين العقلانية (كصانع ساعات ماهر صنع ساعة دقيقة وتركها تعمل). أراد الفلاسفة إزالة الخرافات والتعصب الديني، وجعل الإيمان متوافقاً مع المنطق والعقل.

5. حقوق الإنسان.. وأين كانت المرأة؟

حقوق الانسان فى عصر التنوير

النتيجة الأعظم لعصر التنوير كانت إقرار “الحقوق الطبيعية”. الفلاسفة الفرنسيون لم يكتفوا بالتنظير، بل ناضلوا لتطبيق أفكارهم: المطالبة بحرية التعبير، إلغاء العبودية، وتخفيف عقوبات المجرمين. وتوج ذلك بإعلان “حقوق الإنسان والمواطن” في الثورة الفرنسية عام 1789.

ولكن، مهلاً.. ماذا عن حقوق المرأة؟ رغم أن إعلان حقوق الإنسان صدر للـ “مواطن” (وكان يقصد به الرجل أساساً)، إلا أن عصر التنوير شهد بزوغ أول حركة حقيقية لتحرر المرأة.

  • في عام 1787، نشر الفيلسوف “كوندورسيه” رسالة يطالب فيها بإعطاء النساء نفس الحقوق الطبيعية للرجال.

  • النساء كن في صفوف الثورة الأولى، بل وأجبرن الملك على الهرب من قصر فرساي.

قصة أوليمب دو غوج (Olympe de Gouges): كانت أوليمب كاتبة ومناضلة شرسة. عندما تجاهل إعلان حقوق الإنسان ذكر النساء، قامت عام 1791 بنشر “إعلان حقوق المرأة والمواطنة” متحدية المجتمع الذكوري. فماذا كان مصيرها؟ لأنها طالبت بالمساواة وتجرأت على انتقاد قادة الثورة الدمويين (مثل روبسبيير)، تم إعدامها بالمقصلة عام 1793، وحُظر على النساء بعدها ممارسة أي عمل سياسي!

كان لا بد من الانتظار حتى أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين لتبدأ النساء في جني ثمار التنوير شيئاً فشيئاً. وما زال الطريق طويلاً.