نحن نعيش في عصر السرعة؛ ننتظر عرض الأفلام في دور السينما بفارغ الصبر، وإذا تأجل فيلم لبضعة أشهر، نشعر بالإحباط الشديد. ولكن، هل تتخيل أن هناك فيلماً تم الانتهاء من تصويره بالكامل، وتم تحديد موعد عرضه الرسمي، ولكنك.. لن تعيش لتراه أبداً؟
هذه ليست مزحة، بل هي حقيقة فنية وواقعية لعمل سينمائي يُعرف باسم فيلم 100 عام (100 Years: The Movie You Will Never See). في هذا المقال، سنغوص في كواليس أغرب تجربة سينمائية في التاريخ، لنكتشف من صنعها، ولماذا تم إغلاقها في خزنة فولاذية لن تفتح إلا في القرن الثاني والعشرين!
قصة فيلم 100 عام: الفكرة العبقرية والسر التجاري

بدأت قصة فيلم 100 عام في عام 2015، عندما تعاون الممثل الأمريكي الشهير “جون مالكوفيتش” (John Malkovich) مع المخرج المعروف “روبرت رودريغيز” لإنتاج فيلم قصير. ولكن الفكرة لم تكن فكرتهما بالكامل، بل كانت جزءاً من حملة تسويقية عبقرية وتاريخية لشركة المشروبات الفرنسية كونياك “لويس الثالث عشر – Louis XIII” التابعة لشركة ريمي مارتن
لويس الثالث عشر وفلسفة الانتظار: زجاجة ألهمت فيلماً سينمائياً!”

السر الحقيقي وراء المدة: صُناع هذه العلامة التجارية الفاخرة يستغرقون بالضبط 100 عام لتعتيق منتجهم في البراميل الخشبية. هذا يعني أن صانع المشروب الأصلي لا يعيش أبداً ليتذوق ما صنعه بيده، بل يتركه للأجيال القادمة. من هنا، ولدت الفكرة الفلسفية: لماذا لا نصنع عملاً فنياً يمر بنفس التجربة، ليتم عرضه في 18 نوفمبر من عام 2115؟
ماذا يوجد داخل الخزنة الغامضة؟

بمجرد الانتهاء من تصوير وتعديل فيلم 100 عام، تم حفظ بكرة الفيلم داخل خزانة مخصصة وعالية التقنية صممتها شركة “Fichet-Bauche” العريقة. هذه الخزانة مزودة بزجاج مضاد للرصاص، ومؤقت زمني دقيق جداً لا يعتمد على البطاريات أو الكهرباء، بل يعتمد على نظام ميكانيكي معقد يحسب الزمن بدقة.
الخزانة مبرمجة بحيث لا يمكن لأي قوة على وجه الأرض (حتى صناع الفيلم أنفسهم) أن يفتحوها قبل الموعد المحدد. ستفتح أبواب الخزانة تلقائياً وبشكل سحري في الموعد المبرمج: 18 نوفمبر 2115.
كيف سيبدو المستقبل؟ (التوقعات الثلاثة)

لتشويق العالم دون حرق أحداث فيلم 100 عام، أصدر صناع العمل ثلاثة إعلانات تشويقية (Teasers) في عام 2015. المذهل في الأمر أن هذه الإعلانات لا تحتوي على لقطة واحدة من الفيلم الحقيقي المتواجد في الخزنة! بل هي مجرد رؤى وتخيلات مختلفة لكيف سيبدو كوكب الأرض عندما يفتح الجمهور الخزنة بعد قرن من الزمان:
المستقبل المظلم: رؤية تسيطر فيها التكنولوجيا المتقدمة جداً على البشر، عالم بارد ومليء بالشاشات والآلات.
المستقبل التكنولوجي الفائق: حضارة متطورة تعتمد على الروبوتات الطائرة والمدن الذكية التي تلامس السحاب.
عودة الطبيعة (ما بعد الكارثة): رؤية مرعبة تفترض انهيار الحضارة البشرية، حيث تستعيد الطبيعة والنباتات السيطرة على المدن المهجورة.
أي من هذه التوقعات سيكون هو الواقع في عام 2115؟ هذا ما سيكتشفه من سيشاهد الفيلم.
تذاكر معدنية للأحفاد: من سيحضر العرض الأول؟

إذا لم نكن نحن من سيشاهد فيلم 100 عام، فمن سيفعل؟ قامت الشركة المنتجة بإرسال 1000 تذكرة معدنية فاخرة إلى شخصيات مؤثرة حول العالم (بما في ذلك الممثل جون مالكوفيتش والمخرج روبرت رودريغيز). هذه التذاكر ليست لهم، بل هي إرث عائلي يجب أن يورثوه لأحفادهم، ليقوم هؤلاء الأحفاد بحضور العرض الأول والفريد للفيلم في مدينة “كونياك” الفرنسية بعد مائة عام.
الرسالة الفلسفية: لماذا نصنع فناً لن نراه؟

بعيداً عن التسويق، يطرح فيلم 100 عام تساؤلاً فلسفياً عميقاً يمس كل إنسان: ما هو الإرث الذي سنتركه خلفنا؟ نحن كبشر مهووسون بترك بصمة تتجاوز أعمارنا القصيرة. جون مالكوفيتش وضع جزءاً من روحه وفنه في صندوق، وهو يعلم يقيناً أنه سيكون مجرد تراب عندما تصفق له الجماهير. إنها رسالة في زجاجة ألقيت في محيط الزمن، تؤكد أن الفن الحقيقي قادر على قهر الموت وتحدي النسيان.
الخلاصة
لن نتمكن أبداً من معرفة القصة الحقيقية المخبأة داخل الخزانة، ولن نكتب مراجعة نقدية لهذا الفيلم في حياتنا. لكن فيلم 100 عام نجح بالفعل في هدفه؛ لقد جعلنا نتوقف لحظة لنتأمل في مرور الزمن، ونتخيل شكل العالم الذي سنتركه لأحفادنا.




